فرنسا تصدم أوروبا: هل يمكن للمشرّعين تبني عملة بيتكوين (Bitcoin-BTC) وحظر اليورو الرقمي؟
اتخذت فرنسا خطوةً جريئة قد تُغير التوجه النقدي للاتحاد الأوروبي؛ حيث تبنى تجمّع المشرّعين الوطني حلاً يُعارض مقترح اليورو الرقمي التابع للمصرف المركزي الأوروبي، ويحث على اعتماد عملة بيتكوين (Bitcoin) والعملات المستقرة المدعومة باليورو (EUR) بدلاً منه. تقدّم بهذا المقترح إريك سيوتي (Éric Ciotti) وأعضاء اتحاد الحقوق من أجل الجمهورية (UDR) بتاريخ 22 تشرين الأول/أكتوبر، داعين الحكومة الفرنسية لرفض مسودة المفوضية الأوروبية لإطلاق اليورو الرقمي.

ويحث المقترح على دعم العملات المستقرة المدعومة باليورو بدلاً من ذلك، وتعزيز الاستثمار الوطني في أصول الكريبتو.
خطط احتياطيات عملة بيتكوين (Bitcoin) الفرنسية: دفاعٌ عن الحرية أم تمرّدٌ على أوروبا؟
تحمل الوثيقة عنوان “مقترح للرد على التسوية الأوروبية الداعية للمساعدة في تحويل النظام النقدي”، وتُجادل الوثيقة بأن العملات الرقمية للبنوك المركزية (CBDCs) تشكل تهديداً للخصوصية والحرية الاقتصادية، وقد وصَف سيوتي هذه المبادرة بالخطوة تجاه حماية “الحقوق الفردية الأساسية” والحفاظ على الاستقلالية النقدية وسَط التحوّل الاقتصادي الرقمي.
وفيما حذر المشرعون الفرنسيون من الشبكة مركزية الإدارة التي ستسمح للسلطات بتتبع -وربّما تجميد- أرصدة المواطنين، وقارنت المُذكرة التوضيحية مشروع المصرف المركزي بعملة اليوان الرقمي الصيني (Digital Yuan)، مؤكدة أنّ خضوع اليورو الرقمي لإشرافٍ مركزي مُشابهٍ يُمثل “تهديداً جدياً للحريات الفردية الأساسية”.
في ذات السياق، يتحضّر المركزي الأوروبي حالياً للمرحلة الثانية من مشروع اليورو الرقمي الذي بدأ في تشرين الثاني/نوفمبر 2023 والمتوقع إتمامه نهاية عام 2025، على أن تصبح العملة الرقمية متاحةً للتداول حوالي عام 2029 بحسب عضو المجلس الإداري للمصرف المركزي الأوروبي بييرو سيبولوني (Piero Cipollone).
من ناحيتهم، حذر مشرّعون من تبني اليورو الرقمي وإمكانية تسبّبه بزعزعة النظام المصرفي الأوروبي، فهو سيسمَحُ للمستخدمين بنقل ودائعهم إلى المصرف المركزي الأوروبي مباشرةً، ما قد يتسبّب بانطلاق “موجة سَحبٍ جماعي” وتركيز للقوة المالية بيد مؤسسةٍ واحدة، وقد صرَّحت الوثيقة بأن تركيز القوة هذا سيُضر بالحرية الاقتصادية”، وأن “دورَ المصرف المركزي ليسَ العملَ كمصرفٍ تجاري”.
بدلاً من ذلك، يشمل المُقترح الفرنسي مُخططاً داعماً للكريبتو وفق 3 محاور: إنشاء احتياطي وطني من عملة بيتكوين (Bitcoin)، والترويجُ للعملات المستقرة المدعومة باليورو، ودعمُ تنمية قطاع الكريبتو المحلي، على أن تتولى فرنسا -وفقاً لهذه الخطة- إنشاء هيكلٍ إداري عام لتنظيم احتياطيات عملة بيتكوين (Bitcoin) التي ستُشكل 2% من معروضها الكلي، أي نحوَ 420,000 عملة BTC سيتم جمعها خلال 7-8 سنوات.
كما تهدف المبادرة إلى إنشاء احتياطي “ذهب رقمي وطني” لتنويع احتياطيات الأصول الأجنبية وتعزيز الاستقلالية المالية، وسيأتي تمويل المشروع من الطاقة الفائضة المُستخدَمة للتعدين ومصادرات عملة بيتكوين (Bitcoin) في القضايا القانونية، إلى جانب تخصيص قسمٍ من مدّخرات مشروعي Livret A وLDDS لشراء أرصدة عملة بيتكوين، ويشمل المقترح أيضاً إمكانية دفع الضرائب باستخدام عملة بيتكوين (Bitcoin) بعد الحصول على موافقةٍ دستورية.
فرنسا تدعو أوروبا إلى التخلي عن اعتمادها على العملات المستقرة المدعومة بالدولار الأمريكي
يشمل المُقترَح -إلى جانب عملة بيتكوين (Bitcoin)- تعزيز استخدام العملات المستقرة المدعومة باليورو كبديلٍ عن نظيرتها المدعومة بالدولار الأمريكي المُهيمنة على الأسواق العالمية، وتنتقد الوثيقة موقف المركزي الأوروبي المتشدد تجاه العملات المستقرة، وتحث المفوضية الأوروبية على تعديل إطار عمل الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي (MiCA) لتسهيل إصدار العملات المستقرة من قبل المَصارف والشركات.
ويقتبس التقرير من بيانات صندوق النقد الدولي، ويؤكد هيمنة الدولار الأمريكي (USD) على 91% من القيمة الإجمالية لقطاع العملات المستقرة (بواقع 210 من أصل 230 مليار دولار) عن طريق عملة تيثر (Tether-USDT) وعملة يو إس دي سي (USD Coin-USDC) التابعة لشركة سيركل (Circle) بشكلٍ أساسي.

وتبلغ أكبرُ قيمة سوقية لعملة مستقرة مدعومةٍ باليورو 259 مليون دولار، ويُجادل المقترح بأن هذا التفاوت يجعل من أوروبا مُفرطة الاعتماد على الشركات الأمريكية، ويدعو إلى وضع سياساتٍ تسمح للعملات المستقرة المدعومة باليورو بالمنافسة عالمياً، كما حذر حاكم المصرف المركزي الفرنسي فرانسوا فيلروي ديغالو (François Villeroy de Galhau) من التردد الأوروبي الذي يفاقم الاعتماد على العملات الرقمية غير الأوروبية.
وقد شارك ديغالو في منتدى التقنية المالية في باريس هذا الشهر، وصرَّح بوجوب تركيز المصارف الأوروبية على تطوير العملات المستقرة المدعومة باليورو بدلاً من الاعتماد على المنتجات المدعومة بالدولار وحدَها، وينص مقترح الاتحاد (UDR) على تلطيف السياسات الاحترازية؛ حيث تُصنف بعض القروض المدعومة بالكريبتو ضمن فئة الخطورة العالية؛ ما يفرض دعمَها بأصولٍ موازية بنسب تصلُ إلى 1,250%.
كما يُجادل المشرّعون بأن الشروط الصارمة تلغي جاذبية هذه القروض بالنسبة للمصارف، ويَدعون “لانحرافٍ مستهدفٍ” عن المعيار الأساسي لتشجيع أنشطة الإقراض المدعومة بالأصول الرقمية.
فرنسا تُعزز إطارها التشريعي الخاص بالكريبتو قبل تطبيق إطار عمل الأسواق الرقمية في الاتحاد الأوروبي (MiCA) عام 2026
وصل هذا المقترح في توقيتٍ مفصلي بالنسبة لقطاع الكريبتو الفرنسي؛ حيث قامت لجنة الأوراق المالية الفرنسية (AMF) مؤخراً بمنح ترخيصٍ لشركة Hexarq التابعة لمجموعة BPCE من أجل توفير خدمات تداول الأصول الرقمية وحفظها الوصائي، ما يعني دخول مؤسسةٍ مصرفيةٍ كبرى جديدة إلى السوق.
كما وافقت الحكومة الفرنسية على تأسيس بورصة Lightning Stock Exchange (Lise)، أولى منصات تداول الأسهم الممثلة رقمياً على البلوكتشين والعاملة وفق تقنية السجل الموزع (DLT) التجريبية للاتحاد الأوروبي، ما يُؤكد تزايد الاهتمام الوطني بالبنية التحتية المالية القائمة على البلوكتشين.
يأتي ذلك مع تزايد تضييق الجهات التنظيمية الفرنسية على منصات تداول الكريبتو، حيث أخضعت هيئة الرقابة الاحترازية عشرات الشركات -وأبرزها منصتا بينانس (Binance) وكوينبيس (Coinbase)- لتحقيقاتٍ متعلقة بمكافحة غسل الأموال، وذلك تحضيراً لتطبيق إطار عمل MiCA في الاتحاد الأوروبي عام 2026.

بالتزامن مع هذا، تواصل سوق الكريبتو الأوروبي توسّعها السريع؛ حيث تكشف بيانات Chainalysis مُعالجة فرنسا معاملات كريبتو بقيمة 180 مليون دولار بين تموز/يوليو 2024 وحزيران/يونيو 2025، ما يجعلها من أكثر الأسواق نشاطاً في المنطقة بعد ألمانيا والمملكة المتحدة.