بنك إيريبور (Erebor Bank) التابع لبيتر ثيل (Peter Thiel) يحصل على موافقة مكتب مراقبة العملة (OCC) مع تخفيف واشنطن حدة موقفها تجاه البنوك الموفرة للخدمات المرتبطة بالأصول الرقمية
في خطوة تومض بتحوّل سياسي محدود وإن كان لافتاً في واشنطن، منح مكتب مراقب العملة (OCC) موافقته الأولية المشروطة لبنك إيريبور (Erebor)، وهو مؤسسةٌ مالية جديدة مدعومةٌ من روّاد قطاع التكنولوجيا بيتر ثيل وبالمر لوكي (Palmer Luckey) وجو لونزديل (Joe Lonsdale).
ويُمثل الإعلان عن الموافقة يوم الأربعاء انطلاق أول بنك من نوعه يحصل على ترخيص محلي تحت إشراف المراقب جوناثان غولد (Jonathan Gould) وفقاً لصحيفة فاينانشال تايمز (Financial Times)، ويقع المقر الرئيسي لبنك إيريبور في كولومبوس بأوهايو، حيث تقدم بطلبه في 11 حزيران/يونيو، وجاءت الموافقة بعد مراجعةٍ تنظيميةٍ استمرت 4 أشهر.
عن ذلك قال جولد: “أنا ملتزم بتوفير نظام بنكي فيدرالي ديناميكيّ ومتنوّع، على الرغم من أن قرارنا اليوم يُعتبر الخطوة الأولى، إلا أنها مهمة نحو الوفاء بهذا الالتزام.”
وتشير تصريحات جولد المصاحبة إلى تحول ملحوظٍ عن النهج التقليدي السابق للجهة المنظمة؛ فقد ذكر مكتب مراقبة العملة أن “المكتب لا يفرض حواجز شاملة على المصارف التي تود الانخراط في أنشطة الأصول الرقمية.”
كما تُظهر هذه التصريحات أحد أكثر المؤشرات وضوحاً حتى الآن على أنّ الجهات التنظيمية البنكية الأمريكية قد تعيد النظر بموقفها المُقيد للخدمات المالية المرتبطة بالعملات الرقمية، والذي تفاقمَ بعد انهيار عدة بنوك موفرة لخدمات الكريبتو في عام 2023.
كذلك، يرى المُحللون أن قرار مكتب مراقب العملة يمثل نقطة تحول مهمة للقطاع ودليلاً على استعداد واشنطن لتجربة الخدمات المصرفية المسؤولة في قطاع العملات الرقمية، بشرط أن تثبت المؤسسات التزامها الصارم بالامتثال وتُطبق أنظمة قوية لإدارة المخاطر.
وفي حال حصل إيريبور على التفويض الكامل، فقد يتحوّل ذلك إلى حالة اختبار عملية لكيفية إدارة الجهات التنظيمية مخاطر الأصول الرقمية ضمن البنوك الحاصلة على ترخيص فيدرالي، كما يمكن أن يشكل نموذجاً يُحتذى به للجهات الأخرى الساعية إلى سد الفجوة بين الخدمات البنكية التقليدية ونظيرتها الرقمية، ليتحوّل التساؤل حالياً إلى ما يمكن لإيريبور توفيره.
بنك إيريبور (Erebor Bank) يعرض توفير خدماته لشركات القطاع التقني والكريبتو بعد انهيار بنك وادي السيليكون (SVB)
بعدَ الانهيار المدوي لبنك وادي السيليكون (SVB) عام 2023، والذي تسبّب بتبعاتٍ عنيفةٍ ضمن منظومة الشركات الناشئة والمؤسسات الاستثمارية، يبرز بنك إيريبور كمحاولةٍ مدروسةٍ لسد الفراغ الذي خلفه انهيار نظم التمويل المتعلقة بالاقتصاد الأمريكي.
ويسعى بنك إيريبور إلى خدمة عملاء القطاعات سريعة النمو والتقنيات المتطورة، بما فيها قطاعات الذكاء الاصطناعي (AI) والدفاع والتصنيع والأصول الرقمية، بالإضافة إلى مُعالجي عمليات الدفع، وصناديق رأس المال الاستثماري، ووسطاء التداول.
ويتمثل هدف النظام الأساسي للبنك بالعمل كبنكٍ وطني شاملٍ الخدمات، موفراً خدمات الإيداع والإقراض التقليدية، مع دمج أنشطة الأصول الرقمية ضمن إطار تنظيمي صارم.
تبعاً للطلب المقدم، يتوقع بنك إيريبور الاحتفاظ بعملات رقمية بقيمةٍ توازي المليون دولار لإتمام المعاملات، ما يوحي بتعرض محدود متعمد للأصول الرقمية، وبخلاف النهج عالي المخاطر الذي ميز بعض سابقيه، يهدف نموذج إيريبور إلى التحفظ والامتثال التنظيمي.
فقد صرَّح مصدر مقرّب من الشركة لصحيفة فاينانشال تايمز أن بنك إيريبور يسعى لأن يكون “مصرفاً مستقراً موثوقاً محدود المخاطر يقوم بأنشطةٍ مصرفيةٍ اعتيادية دون تعريض الجميع لمخاطر غير مبررة”.
وأدى انهيار مصارف وادي السيليكون (SVB) وسيلفرجيت (Silvergate) وسيجنيتشر (Signature) وفيرست ريبابليك (First Republic) إلى أن تكافح شركات قطاع التكنولوجيا الناشئة وشركات قطاع الكريبتو في سعيها لإيجاد شركاء مصرفيين مُستقرين، وقد دفع هذا الاضطراب العديدَ منهم للبحث عن حلولٍ خارج البلاد أو غير تقليدية، وهي الفجوة التي يسعى إيريبور الآن إلى سدّها.
مع ذلك، لم يبدأ بنك إيريبور نشاطه فعلياً نظراً لأن موافقة مكتب مراقب العملة ليست نهائية بعدُ بل هيَ مشروطةٌ تماماً، ما يعني أنه على الشركة أن تُكمل أولاً مجموعة الفحوصات والمراجعات المتعلقة بالتزام القوانين والأمان الإلكتروني وتوفّر استثماراتٍ كافية، وهي إجراءات قد تستغرق عدة أشهر قبل حصولها على الترخيص الرسمي للعمل كبنك.
كيف يعكس اعتماد بنك إيريبور تحوّل سياسة واشنطن تجاه قطاع الكريبتو؟
يأتي اعتماد مصرف إيريبور وسط زخم تنظيمي أوسَع للإدارة الأمريكية، حيث وقع الرئيس دونالد ترامب (Donald Trump) مؤخراً على قانون جينيوس (GENIUS Act)، وهو مشروع قانون تاريخي يُرسي قواعد للرقابة على جهات إصدار العملات المستقرة، بينما يواصل الكونجرس مناقشة قوانين أوسع بشأن هيكلية أسواق الكريبتو واشتراطات العملة الرقمية للبنك المركزي (CBDC).
يُذكر تشجيعُ المناخ السياسي الجديد العديد من الشركات المرتبطة بالعملات الرقمية -بما فيها شركات كوينبيس (Coinbase) وسيركل (Circle) وريبل (Ripple Labs)- على السعي للحصول على تراخيص استثمار وطنيةٍ أو تراخيص لتوفير خدماتٍ مصرفية محدودة من مكتب مراقب العملة (OCC).
ففي أيار/مايو، أصدر مكتب OCC تحديثاً لإرشاداته تؤكد أن البنوك يُمكنها شراء وبيع العملات الرقمية الخاضعة لحفظها الوصائي بناءً على تعليمات العملاء، في تحوّلٍ لافتٍ عن القيود السابقة.
وتسمح هذه السياسة أيضاً للمؤسسات بتفويض أطرافٍ خارجيةٍ لتولي مهام الحفظ الوصائي وتنفيذ معاملات العملات الرقمية، بشرط أن تلتزم هذه الأطراف بمعاييرَ صارمةٍ تتعلق بالأمان والاستقرار المالي، ليُمثل هذا التوضيح تحولاً واضحاً نحو توسيع نطاق خدمات البنوك الخاضعة للتنظيم الفيدرالي كي تشمل أنشطة العملات الرقمية.
فوق ذلك، جاء تعيين جولد في حزيران/يونيو داعماً لهذا التوجّه، حيث حصل المسؤول -الذي شغل سابقاً منصباً تنفيذياً لدى بيتفيوري (Bitfury) وعمل طويلاً في مكتب مُراقب العملة- على تأكيد تعيينه من جانب مجلس الشيوخ بفارق ضئيل في التصويت بواقع 50 مقابل 45، ليُصبح أول رئيس دائم لمكتب مراقبة العملة منذ عام 2020.
يُشار إلى أن خلفيته المتعلقة بتقنيات البلوكتشين والأصول الرقمية شكّلت نهجاً أكثرَ انفتاحاً تجاه ابتكارات القطاع المصرفي، فقد قام مكتب مراقبة العملة بإزالة الإشارات المتعلقة بـ “مخاطر السمعة” بالفعل وفقاً لتوجيهاتٍ داخليةٍ تحت قيادته، وهو تغيير يُنظر إليه على أنه تخفيض سقف الحواجز أمام البنوك المُوفرة لخدماتٍ مرتبطةٍ بالعملات الرقمية.
وعلى الرغم من هذا التحوّل، أعربَ بعض المشرّعين عن مخاوفهم بشأن ازدياد الروابط بين السياسة والعملات الرقمية. ففي آب/أغسطس، دعا أعضاء مجلس الشيوخ إليزابيث وارن (Elizabeth Warren) وكريس فان هولين (Chris Van Hollen) ورون وايدن (Ron Wyden) السيد جولد إلى التحقيق في تضارب المصالح المُحتمل المُرتبط بتورط الرئيس ترامب شخصياً في مشاريع الكريبتو، وبخاصةٍ العملة المستقرة المسماة يو إس دي 1 (USD1) التي أصدرتها مؤسسة World Liberty Financial، حيث تساءل أعضاء مجلس الشيوخ عمّا إذا كان بإمكان مكتب مراقب العملة الحفاظ على حياديته من حيث الإشراف والرقابة مع توليه دور المنظم الرئيسي للعملات الرقمية بموجب قانون جينيوس.